محمد أبو زهرة
346
المعجزة الكبرى القرآن
لقرب ما بينهما ، ومثل ذلك المغرب والعشاء ، وبذلك يذوق المسلم حلاوة البعد عنها ، كما تعودها من قبل ، وهي شراب غير مرىء . فكان ذلك النص الكريم تربية للنفس المؤمنة ، وعلاجا لترك أمر مذموم ألفوه بأمر حسن عرفوه وذاقوا حلاوته . ولم يجد عمر المدرك بنور اللّه في ذلك بيانا شافيا ، لأنه يرغب في نهى قاطع ، لا تردد فيه . ولقد نزل بعد ذلك الأمر الحاسم القاطع الناهى نهيا لازما فقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 90 ) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ( 91 ) . [ المائدة : 90 ، 91 ] وقد قال علماء البلاغة أن قوله تعالى : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ، هي أبلغ صيغ النهى ، ويجدر بنا هنا أن ننبه إلى أمرين : الأمر الأول : أن أهل الجاهلية في هذا العصر يقولون أنه لم يكن ثمة نص على النهى مثل قوله : « لا تشربوا » وأن ذلك القول التافه كان غير جدير بالالتفات إليه ، ولكن كثر ترداده ، فحق علينا البيان فنقول : إن النص الكريم شدد في النهى من وجوه كثيرة - أولها - أنه قرن الخمر والميسر بالعبادة بالذبح على النصب ، وتلك قرينة التحريم في ذاتها . وثانيها - أنه وصفها بأنها من عمل الشيطان ، وأنها رجس ، أي أمر قذر في ذاته ، فهي ضارة ، ولا تتقبلها النفس الفطرية ، ومضارها الجسمية معلومة لكل مدرك أريب . وثالثها - أنه طالب باجتنابها ، والاجتناب يقتضى البعد عنها ، وعن مجالسها ، وعن شاربيها ، وذلك أبلغ من قولك : لا تشربها . ورابعها - أنها تدفع إلى العداوة والبغضاء ، وهما أمران مفسدان ، مقوضان لبناء المجتمع . وخامسها - أنها تصد عن ذكر اللّه وعن الصلاة ، والصلاة فرض لازم هو شعار الإسلام ، والصد عنه أشد الأمور في الإسلام فهو حرام ، فكل ما يؤدى إليه يكون حراما مثله ، لأن ما يفضى إلى الحرام يكون حراما . وسادسها - قوله تعالى : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ، وقد قلنا أنها أبلغ صيغة في النهى عن الفعل .